تاريخ ابی الفداء...

  خلافة عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى رضي الله عنه

بويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه ابو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه واول خطبة خطبها قال‏:‏ يا ايها الناس والله ما فيكم احداً اقوى عندي من الضعيف بم حتى اخذ الحق له ولا اضعف عندي من القوي حتى اخذ الحق منه‏.‏

ثم اول شيء امر به ان عزل خالد بن الوليد عن الإِمرة وولى ابا عبيدة على الجيش والشام وارسل بذلك اِليهما وهو اول من سميَّ بامير المؤمنين‏.‏

وكان ابو بكر يخاطب بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم سار ابو عبيدة ونازل دمشق وكانت منزلته من جهة باب الجابية ونزل خالد من جهة باب توما وباب شرقي ونزل عمرو بن العاص بناحية اخرى وحاصروهما قريباً من سبعين ليلة وفتح خالد ما يليه بالسيف فخرج اهل دمشق وبذلوا الصلح لابي عبيدة من الجانب الآخرة وفتحوا له الباب فامنهم ودخل والتقى مع خالد في وسط البلد وبعث ابو عبيدة بالفتح اِلى عمر وفي ايامه فتح العراق‏.‏

ثم دخلت سنة اربع عشرة فيها في المحرم امر عمر ببناء البصرة فاختطت وقيل في سنة خمس عشرة وفيها توفي ابو قحافة ابو ابي بكر الصديق وعمره سبع وتسعون سنة وكانت وفاته بعد وفاة ابنه ابي بكر‏.‏

ثم دخلت سنة خمس عشرة فيها فتحت حمص بعد دمشق بعد حصار طويل حتى طلب الروم الصلح فصالحهم ابو عبيدة على ما صالح اهل دمشق ثم سار اِلى حماة قال القاضي جمال الدين ابن واصل رحمه الله تعالى في التاريخ الذي نقلنا هذا منه‏:‏ اِن حماة كانت في زمن داود وسليمان عليهما السلام مدينة عظيمة قال‏:‏ وقد وجدت ذكرها في اخبار داود وسليمان في كتاب اسفار الملوك الذي بايدي اليهود وكذلك كانت في زمن اليونان اِلا انها في زمن الفتوح وقبله كانت صغيرة هي وشيرز وكانا من عمل حمص وكانت حِمص كرسي مملكة هذه البلاد وقد ذكرهما امرؤ القيس في قصيدته التي اولها‏:‏ سما لك شوق بعدما كان اقصرا ويقول من جملتها‏:‏ تقطع اسباب اللبانة والهوى عشية جاوزنا حماة وشيزرا قال بعض الشراح‏:‏ حماة شيزر قريتان من قرى حمص ولما وصل ابو عُبيدة اِلى حماة خرجت الروم التي بها اِليه يطلبون الصلحَ فصالحهم على الجزية لرؤوسهم والخراج على ارضهم وجعل كنيستهم العظمى جامعاً وهو جامع السوق الأعلى من حماة ثم جدد في خلافة المهدي من بني العباس وكان على لوح منه مكتوب انه جدد من خراج حمص ثم سار ابو عبيدة اِلى شيزر فصالحه اهلها على صلح اهل حماة وكذلك صالح اهل المعرة وكان يقال لها معرة حمص ثم قيل لها معرة النعمان بن بشير الأنصاري لانها كانت مضافة اِليه مع حمص في خلافة معاوية ثم سار ابو عبيدة اِلى اللاذقية ففتحهما عنوة وفتح جبلة وطرطوس ثم سار ابو عبيدة اِلى قنسرين وكانت كرسي المملكة المنسوبة‏.‏

اليوم اِلى حلب وكانت حلب من جملة اعمال قنسرين ولما نازلها ابو عبيدة وخالد بن الوليد كان بها جمع عظيم من الروم فجرى بينهم قتال شديد انتصر فيه المسلمون ثم بعد ذلك طلب اهلها الصلح على صلح اهل حمص فاجابهم على ان يخربوا المدينة فخربت‏.‏

ثم فتح بعد ذلك حلب وانطاكية ومنبج ودلوك وسرمين وتنزين وعزاز واستولى على الشام من هذه الناحية ثم سار خالد اِلى مرعش ففتحها واجلى اهلها واخربها وفتح حصن الحدث وفي هذه السنة لما فتحت هذه البلاد وهي سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة ايس هرقل من الشام وسار اِلى قسطنطينية من اثرها ولما سار هرقل على نشر من الأرض ثم التفت اِلى الشام وقال‏:‏ السلام عليك يا سوريا سلام لا اجتماع بعده ولا يعود اِليك رومي بعدها اِلا خائفاً حتى يولد لولد المشؤوم وليته لم يولد فاجل فعله فتنته على الروم ثم‏.‏

فتحت قيسارية وصبصطية وبها قبر يحيى بن زكريا ونابلس واللد ويافا وتلك البلاد جميعها‏.‏

واما بيت المقدس فطال حصاره وطلب اهله من ابي عبيدة ان يصالحهم على صلح اهل الشام بشرط انْ يكون عمر بن الخطاب متولي امر الصلح فكتب ابو عبيدة الى عمر بذلك فقدم عمر رضي الله عنه الى القدس وفتحها واستخلف على المدينة علي بن ابي طالب رضي الله عنه‏.‏

وفي هذه السنة اعني سنة خمس عشرة وضع عمر بن الخطاب الدواوين وفرض العطاء للمسلمين ولم يكن قبل ذلك وقيل‏:‏ كان ذلك سنة عشرين فقيل له‏:‏ ابدا بنفسك‏.‏

فامتنع وبدا بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرض له خمسة وعشرين الفاً ثم بدا بالأقرب فالأقرب من رسول من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرض لاهل بدر خمسة الاف خمسة الاف وفرض لمن بعدهم اِلى الحديبية وبيعة الرضوان اربعة الاف اربعة الاف ثم لمن بعدهم ثلاثة الاف ثلاثة الاف وفرض لاهل القادسية واهل الشام الفين الفين وفرض لمن بعد القادسية واليرموك الفاً الفاً ولروادفهم خمس مائهَ خمس مائة ثم ثلاثمائة ثلاثمائة ثم مائتين وخمسين مائتين وخمسين‏.‏

وكان في هذه السنة اعني سنة خمس عشرة وقعة القادسية وكان المتولي لحرب الأعاجم فيها سعد بن ابي وقاص وكان مقدم العجم رستم وجرى بين المسلمين وبين الأعاجم اِذ ذاك قتال عظيم دام اياماً فكان اليوم الأول يوم اغواث ثم يوم غماس ثم ليلة الهرير لتركهم الكلام فيها وانما كانوا يهرون هريراً حتى اصبح الصباح ودام القتال الى الظهيرة وهبت ريح عاصفة فاكل الغبار على المشركين فانكسروا وانتهى القعقاع واصحابه اِلى سرير رستم وقد قام رستم عنه واستظل تحت بغال عليها مال وصلت من كسرى للنفقة فلما شدوا على رستم هرب ولحقه هلال بن علقمة فاخذ برجله وقتله ثم جاء به حتى رُمي به بين ارجل البغال وصعد السرير ونادى‏:‏ قتلت رستم ورب الكعبة وتمت الهزيمة على العجم وقتل منهم ما لا يحصى ثم ارتحل سعد ونزل غربي دجلة على نهر شير قبالة مدائن كسرى وديوانه المشهور ولما شاهد المسلمون ايوان كسرى كبروا وقالوا‏:‏ هذا ابيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله‏.‏

ثم دخلت سنة ست عشرة واقام سعد على نهر شير اِلى ايام من صفر ثم عبروا دجلة وهربت الفرس من المدائن نحو حلوان وكان يزد جرد قد قدم عياله اِلى حلوان وخرج هو ومن معه بما قدروا عليه من المتاع ودخل المسلمون المدائن وقتلوا كل من وجدوه واحتاطوا بالقصر الأبيض ونزل به سعد واتخذوا اِيران كسرى مصلى واحتاطوا على اموال من ذهب والآنية والثياب تخرج عن الإحصاء وادرك بعض المسلمين بغلاً وقع في الماء فوجد عليه حلية كسرى من التاج والمنطقة والدرع وغير ذلك كله مكلل بالجوهر ووجدوا اشياء يطول شرحها‏.‏

وكان لكسرى بساط طوله ستون ذراعاً في ستين ذراعاً وكان على هيئة روضة قد صورت فيه الزهور بالجوهر على قضبان الذهب فاستوهب سعد ما يخص اصحابه منه وبعث به اِلى عمر فقطعه عمر وقسمه بين المسلمين فاصاب علي بن ابي طالب منه قطعة فباعها بعشرين الف درهم‏.‏

واقام سعد بالمدائن وارسل جيشاً الى جلولاء وكان قد اجتمع بها الفرس فانتصر المسلمون وقتلوا من الفرس ما لا يحصى وهذه الوقعة هي المعروفة بوقعة جلولاء وكان يزد جرد بحلوان فسار عنها وقصدها المسلمون واستولوا عليها ثم فتح المسلمون تكريت والموصل‏.‏

ثم فتحوا ما سبذان عنوة وكذلك قرقيسيا‏.‏

وفي هذه السنة اعني سنة ست عشرة للهجرة قدم جبلة بن الأيهم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتلقاه جماعة من المسلمين ودخل في زي حسن وبين يديه جنائب مقادة ولبس اصحابه الديباج ثم خرج عمر اِلى الحج في هذه السنة فحج جبلة معه فبينما جبلة طائفاً اِذ وطئ رجل من فزازة على اِزاره فلطمه جبلة فهشم انفه فاقبل الفزاري اِلى عمر وشكاه فاحضره عمر وقال‏:‏ افتد نفسك والا امرته ان يلطمك فقال جبلة‏:‏ كيف ذلك وانا ملك وهو سوقة فقال عمر‏:‏ اِن الإسلام جمعكما وسوى بين الملك والسوقة في الحد‏.‏

فقال جبلة‏:‏ كنت اظن اني بالإسلام اعز مني في الجاهلية‏.‏

فقال عمر‏:‏ دع عنك هذا‏.‏

فقال جبلة اتنصر‏.‏

فقال عمر‏:‏ اِن تنصرت ضربت عنقك‏.‏

فقال انظرني ليلتي هذه فانظره فلما جاء الليل سار جبلة بخيله ورجاله اِلى الشام ثم صار اِلى القسطنطينية وتبعه خمس مائة رجل من قومه فتنصروا عن اخرهم وفرح هرقل بهم واكرمه ثم ندم جبلة على فعله ذلك وقال‏:‏

تنصرت الأشراف مِنْ عار لطمة ** وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

تكنفنيَ فيها لجاج ونخوة ** وبعت لها العينَ الصحيحة بالعورْ

فيا ليتَ امي لم تلدني وليتني ** رجعت اِلى القولِ الذي قاله عمرْ

وكان قد مضى رسول عمر الى هرقل وشاهد ما هو فيه جبلة من النعمة فارسل جبلة خمس مائة دينار لحسان ابن ثابت واوصلها عمر اليه ومدحه حسان ابن ثابت بابيات منها‏:‏

اِن ابن جفنة من بقية معشرِ ** لم يعرُّهم اباؤهم باللوم

لم ينسني بالشام اذ هَو ربها ** كلا ولا متنصراً بالروم

يعطي الجزيل ولا يراه عنده ** اِلا كبعض عطية المذموم

ثم دخلت سنة سبع عشرة فيها اختطت الكوفة وتحوّل سعد اليها وفي هذه السنة اعتمر عمر واقام بمكة عشرين ليلة ووسع في المسجد الحرام وهدم منازل قوم ابوا ان يبيعوها وجعل اثمانها في بيت المال وتوج ام كلثوم بنت علي ابن ابي طالب وامها فاطمة رضي الله عنهما‏.‏

وفي هذه السنة كانت واقعة المغيرة بن شعبة وهي ان المغيرة كان عمر قد ولاه البصرة وكان في قبالة العليّة التي فيها المغيرة بن شعبة علية فيها اربعة وهم‏:‏ ابو بكرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم واخوه لامه زياد بن ابيه ونافع بن كلدة وشبل بن معبد فرفعت الريح الكوة عن العلية فنظروا اِلى المغيرة وهو على ام جميل بنت الأرقم بن عامر بن صعصعة وكانت تغشى المغيرة فكتبوا الى عمر بذلك فعزل المغيرة واستقدمه مع الشهود وولى البصرة ابا موسى الأشعري فلما قدم اِلى عمر شهد ابو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزنا واما زياد بن ابيه فلم يفصح شهادة الزنا وكان عمر قد قال قبل ان يشهد‏:‏ ارى رجلاً ارجو ان لا يفضح الله به رجلا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زياد‏:‏ رايته جالساً بين رجلي امراة ورايت رِجلين مرفوعتين كاذني حمار ونفساً يعلو واستاً تنبو عن ذكر ولا اعرف ما وراء ذلك‏.‏

فقال عمر هل رايت الميل في المكحلة قال‏:‏ لا‏.‏

فقال‏:‏ هل تعرف المراة قال‏:‏ لا ولكن اشبهها‏.‏

فامر عمر بالثلاثة الذين شهدوا بالزنا ان يحدوا حد القذف فجلدوا وكان زياد اخا ابي بكرة وفيها فتح المسلمون الأهواز وكان قد استولى عليها الهرمزان وكان من عظماء الفرس ثم فتحوا رام هرمز وتستر وتحصن الهرمزان في القلعة وحاصروه فطلب الصلح على حكم عمر فانزل على ذلك وارسلوا به اِلى عمر ومعه وفد منهم انس بن مالك والأحنف بن قيس فلما وصلوا به اِلى المدينة البسوه كسوته من الديباج المذهب ووضعوا على راسه تاجه وهو مكلل بالياقوت ليراه عمر والمسلمون فطلبوا عمر فلم يجدوه فسالوا عنه فقيل جالس في المسجد فاتوه وهو نائم فجلسوا دونه فقال الهرمزان‏:‏ اين هو عمر‏:‏ قالوا‏:‏ هوذا‏.‏

قال‏:‏ فاين حرسه وحجابه قالوا ليس له حارس ولا حاجب واستيقظ عمر على جلبة الناس فنظر اِلى الهرمزان وقال‏:‏ الحمد لله الذي اذل بالإسلام هذا واشباهه وامر بنزع ما عليه فنزعوه والبسوه ثوباً ضيقاً فقال له عمر‏:‏ كيف رايت عاقبة الغدر وعاقبة امر الله فقال الهرمزان‏:‏ نحن واياكم في الجاهلية لما خلى الله بيننا وبينكم غلبناكم ولما كان الله الآن معكم غلبتمونا‏.‏

ودار بينهما الكلام وطلب الهرمزان ماء فاتي به فقال‏:‏ اخاف ان تقتلني وانا اشرب فقال عمر‏:‏ لا باس عليك حتى تشرب فرمى بالإناء فانكسر فقصد عمر قتله فقالت الصحابة‏:‏ اِنك امنته بقولك لا باس عليك اِلى ان تشرب ولم يشرب ذلك الماء واخر الأمر انّ الهرمزان اسلم وفرض له عمر الفين‏   www.laftehsawari@yahoo.com 

  
نویسنده : lafteh ahwazi ; ساعت ۱٠:٥٢ ‎ق.ظ روز ۱۸ آبان ۱۳۸٤
تگ ها :

کتب السيره النبويه

مجموع كتب السيرة والتاريخ / 24
1 ابو الاسود الدؤلي هاشم محمد
2 اصول السيرة النبوية الشيخ محمد هادي اليوسفي
3 الامام جعفر الصادق (ع)(ج1) الشيخ محمد حسين المظفر
4 الامام جعفر الصادق (ع)(ج2) الشيخ محمد حسين المظفر
5 الامام الحسن (ع) و مصلحة الاسلام الشيخ فؤاد كاظم المقدادي
6 الامام الحسين (ع) و مصلحة الاسلام الشيخ فؤاد كاظم المقدادي
7 الانوار البهية في تواريخ الحجج الالهية الشيخ عباس القمي
8 التوابون ابراهيم بيضون
9 حجر بن عدي الكندي هاشم محمد
10 حركة التاريخ عند الامام علي (ع) الشيخ محمد مهدي شمس الدين

      www.laftehsawari@yahoo.com

  
نویسنده : lafteh ahwazi ; ساعت ۳:۱٠ ‎ب.ظ روز ٧ آبان ۱۳۸٤
تگ ها :

واقعه جنگ ذی قار قبل از اسلام

 

ذكر وقعة ذي قار وسببها                         www.laftehsawari@yahoo.com 

ذكروا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال لما بلغه ما كان من ظفر ربيعة بجيش كسرى‏:‏ هذا أول يوم انتصف العرب فيه من العجو وبي نصروا‏.‏

فحفظ ذلك منه وكان يوم الوقعة‏.‏

قال هشام بن محمد‏:‏ كان عدي بن زيد التميمي وأخواه عمار وهو أبي وعمرو وهو سمي يكونون مع الأكاسرة ولهم إليهم انقطاع وكان المنذر ابن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي بن زيد وكان له غير النعمان أحد عشر ولدًا وكانوا يسمون الأشاهب لجمالهم‏.‏

فلما مات المنذر بن المنذر وخلف أولاده أراد كسرى بن هرمز أن يملك على العرب من يختاره فأحضر عدي بن زيد وسأله عن أولاد المنذر فقال‏:‏ هم رجال فأمره بإحضارهم‏.‏

فكتب عدي فأحضرهم وأنزلهم وكان يفضل إخوة النعمان عليه ويريهم أنه لا يرجو النعمان ويخلو بواحد واحد ويقول له‏:‏ إذا سألك الملك أتكفونني العرب فقولوا‏:‏ نكفيكهم إلا النعمان‏.‏

وقال للنعمان‏:‏ إذا سألك الملك عن إخوتك فقل له‏:‏ إذا عجزت عن إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز‏.‏

وكان من بنيمرينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا وكان داهيًا شاعرًا وكان يقول للأسود بن المنذر‏:‏ قد عرفت أني أرجوك وعيني إليك وإنني أريد أن تخالف عدي بن زيد فإنه والله لا ينصح لك أبدًا‏!‏ فلم يلتفت إلى قوله‏.‏

فلما أمر كسرى عدي بنزيد أن يحضرهم أحضرهم رجلًا رجلًا وسألهم كسرى‏:‏ أتكفونني العرب فقالوا‏:‏ نعم إلا النعمان‏.‏

فلما دخل عليه النعمان رأى رجلًا دميمًا أحمر أبرش قصيرًا فقال له‏:‏ أتكفيني إخوتك والعرب قال‏:‏ نعم وإن عجزت عن إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز‏.‏

فملكه وكساه وألبسه تاجًا قيمته ستون ألف درهم فقال عدي بن مرينا للأسود‏:‏ دونك فقد خالفت الرأي‏.‏

ثم صنع عدي بن زيد طعامًا ودعا عدي بن مرينا إليه وقال‏:‏ إني عرفت أن صاحبك الأسود كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان فلا تلمني على شيء كنت على مثله وإني أحب أن لا تحقد علي وإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك وحلف لابن مرينا أن لا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدًا فقام ابن مرينا وحلف أنه لا يزال يهجوه ويبغيه الغوائل‏.‏

وسار النعمان حتى نزل الحيرة وقال ابن مرينا للأسود‏:‏ إذا فاتك الملك فلا تعجز أن تطلب بثأرك من عدي فإن معدًا لا ينام مكرهًا وأمرتك بمعصيته فخالفتني وأريد أن لا يأتيك من مالك شيء إلا عرضته علي‏.‏

ففعل‏.‏

وكان ابن مرينا كثير المال وكان لا يخلي النعمان يومًا من هدية وطرفة فصار من أكرم الناس عليه وكان إذا ذكر عدي بن زيد وصفه وقال‏:‏ إلا أنه في مكر وخديعة واستمال أصحاب النعمال فمالوا إليه وواضعهم على أن قالوا للنعمان‏:‏ إن عدي بن زيد يقول إنك عامله ولم يزالوا بالنعمان حتى اضغنوه عليه فأرسل إلى عدي يستزيره فاستأذن عدي كسرى في ذلك فأذن له فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه ومنع من الدخول عليه فجعل عدي يقول الشعر وهو في السجن وبلغ النعمان قوله فندم على حبسه إياه وخاف منه إذا أطلقه‏.‏

فكتب عدي إلى أخيه أبي أبياتًا يعلمه بحاله فلما قرأ أبياته وكتابه كلم كسرى فيه فكتب إلى النعمان وأرسل رجلًا في إطلاق عدي وتقدم أخو عدي إلى الرسول بالدخول إلى عدي قبل النعمان ففعل ودخل على عدي وأعلمه أنه أرسل لإطلاقه فقال له عدي‏:‏ لا تخرج من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسله فإنك إن خرجت من عندي قتلني فلم يفعل ودخل أعداء عدي على النعمان فأعلموه الحال وخوفوه من إطلاقه فأرسلهم إليه فخنقوه ثم دفنوه‏.‏

وجاء الرسول فدخل على النعمان بالكتاب فقال‏:‏ نعم وكرامةً وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية وقال‏:‏ إذا أصبحت ادخل إليه فخذه‏.‏

فلما أصبح الرسول غدا إلى السجن فلم ير عديًا وقال له الحرس‏:‏ إنه مات منذ أيام‏.‏

فرجع إلى النعمان وأخبره أنه رآه بالأمس ولم يره اليوم فقال‏:‏ كذبت‏!‏ وزاده رشوة واستوثق منه أن لا يخبر كسرى إلا أنه مات قبل وصوله إلى النعمان‏.‏

قال‏:‏ وندم النعمان على قتله واجترأ أعداء عدي على النعمان وهابهم هيبة شديدة‏.‏

فخرج النعمان في بعض صيده فرأى ابنًا لعدي يقال له زيد فكلمه وفرح به فرحًا شديدًا واعتذر إليه من أمر أبيه وسيره إلى كسرى ووصفه له وطلب إليه أن يجعله مكان أبيه ففعل كسرى وكان يلي ما يكتب إلى العرب خاصة وسأله كسرى عن النعمان فأحسن الثناء عليه وأقام عند الملك سنوات بمنزلة أبيه وكان يكثر الدخول على كسرى‏.‏

وكان لملوك الأعاجم صفة للنساء مكتوبة عندهم وكان يبعثون في طلب من يكون على هذه الصفة من النساء ولا يقصدون العرب فقال له زيد بن عدي‏:‏ إني أعرف عند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة‏.‏

قال‏:‏ فتكتب فيهن‏.‏

قال‏:‏ أيها الملك إن شر شيء في العرب وفي النعمان أنهم يتكرمون بأنفسهم عن العجم فأنا أكره أن تعنتهن وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك فابعثني وابعث معي رجلًا يفقه العربية فبعث معه رجلًا جلدًا فخرجا حتى بلغا الحيرة ودخلا على النعمان‏.‏

قال له زيدك إن الملك احتاج إلى نساء لأهله وولده وأراد كرامتك فبعث إليك‏.‏

قال‏:‏ وما هؤلاء النسوة قال‏:‏ هذه صفتهن قد جئنا بها‏.‏

وكانت الصفة أن المنذر أهدى إلى أنوشروان جارية أصابها عند الغارة على الحارث بن أبي شمر الغساني وكتب يصفها أنها معتدلة الخلق نقية اللون والثغر بيضاء وطفاء قمراء دعجاء حوراء عيناء قنواء شماء شمراء زجاء برجاء أسيلة الخد شهية القد جثيلة الشعر بعيدة مهوى القرط عيطاء عريضة الصدر كاعب الثدي ضخمة مشاشة المنكب والعضد حسنة المعصم لطيفة الكف سبطة البنان لطيفة طي البطن خميصة الخصر غرثى الوشاح رداح القبل رابية الكفل لفاء الفخذين ريا الروادف ضخمة المنكبين عظيمة الركبة مفعمة الساق مشبعة الخلخال لطيفة الكعب والقدم قطوف المشي مكسال الضحى بضة المتجرد سموع للسيد ليست بحلساء ولا سفعاء ذليلة الأنف عزيزة النفر لم تغذ في بؤس حييه رزينة زكية كريمة الخال تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها وبفصيلتها دون جماع قبيلتها قد أحكمتها الأمور في الأدب فرأيها رأي أهل الشرف وعملها عمل أهل الحاجة صنا الكفيين قطيعة اللسان رهوة الصوت تزين البيت وتشين العدو إن أردتها اشتهت وإن تركتها انتهت تحملق عيناها ويحمر خداها وتذبذب شفتاها وتبادرك الوثبة‏.‏

فقبلها كسرى وأمر بإثبات هذه الصفة فبقيت إلى أيام كسرى بن هرمز‏.‏

فقرأ زيد هذه الصفة على النعمان فشق ذلك عليه وقال لزيد والرسول يسمع‏:‏ أما في عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم‏!‏ قال الرسول لزيد‏:‏ ما العين قال‏:‏ البقر‏.‏

وأنزلهما يومين وكتب إلى كسرى‏:‏ إن الذي طلب الملك ليس عندي‏.‏

وقال لزيد‏:‏ اعذرني عنده‏.‏

فلما عاد إلى كسرى قال لزيد‏:‏ أين ما كنت أخبرتني قال‏:‏ قد قلت للملك وعرفته بخلهم بنسائهم على غيرهم وأن ذلك لشقائهم وسوء اختيارهم وسل هذا الرسول عن الذي قال فإني أكرم الملك عن ذلك‏.‏

فسأل الرسول فقال‏:‏ إنه قال‏:‏ أما في بقر السواد ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا فعرف الغضب في وجهه ووقع في قلبه وقال‏:‏ رب عبدٍ أراد ما هو أشد من هذا فصار مره إلى التباب‏.‏

وبلغ هذا الكلام النعمان وسكت كسرى على ذلك أشهرًا والنعمان يستعد حتى أتاه كتاب كسرى يستدعيه‏.‏

فحين وصل الكتاب أخذ سلاحه وما قوي عليه ثم لحق بجبلي طيء وكان متزوجًا إليهم وطلب منهم أن يمنعوه‏.‏

فأبوا عليه خوفًا من كسرى فأقبل وليس أحد من العرب يقبله حتى نزل في ذي قار في بني شيبان سرًا فلقي هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو الشيباني وكان سيدًا منيعًا والبيت من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين وكان كسرى قد أطعمه الأبلة فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك وعلم أن هانئًا يمنعه مما يمنع منه أهله فأودعه أهله وماله وفيه أربعمائة درع وقيل ثمانمائة درع‏.‏

وتوجه النعمان إلى كسرى فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط فقال‏:‏ انج نعيم‏.‏

فقال‏:‏ أنت يا زيد فعلت هذا‏!‏ أما والله لئن انفلت لأفعلن بك ما فعلت بأبيك‏.‏

فقال به زيدك امض نعيم فقد والله وضعت لك عنده أخية لا يقطعها المهر الأرن‏.‏

فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيده وبعث به إلى خانقين حتى وقع الطاعون فمات فيه قال‏:‏ والناس يظنون أنه مات بساباط ببيت الأعشى وهو يقول‏:‏ فذاك وما أنجى من الموت ربّه بساباط حتى مات وهو محرزق وكان موته قبل الإسلام‏.‏

فلما مات استعمل كسرى إياس بن قبيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه النعمان وكان كسرى اجتاز به لماء سار إلى ملك الروم فأهدى له هدية فشكر ذلك له وأرسل إليه فبعث كسرى بأن يجمع ما خلفه النعمان ويرسله إليه فبعث إياس إلى هانئ بن مسعود الشيباني يأمره بإرساله ما استودعه النعمان فأبى هانئ أن يسلم ما عنده‏.‏

فلما أبى هانئ غضب كسرى وعنده النعمان بن زرعة التغلبي وهو يحب هلاك بكر بن وائل فقال لكسرى‏:‏ أمهلهم حتى يقيظوا ويتساقطوا على ذي قار تساقط الفراش في النار فتأخذهم كيف شئت‏.‏

فصبر كسرى حتى جاؤوا حنو ذي قار فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيرهم واحدة من ثلاث‏:‏ إما أن يعطوا بأيديهم وإما أن يتركوا ديارهم وإما أن يحاربوا‏.‏

فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة العجلي فاشار بالحرب فآذنوا الملك بالحرب فأرسل كسرى إياس بن قبيصة الطائي أمير الجيش ومعه مرازبة الفرس والهامرز النسوي وغيره من العرب تغلب وإياد وقيس بن مسعود بن قيس بن ذي الجدين وكان على طف سفوان فأرسل الفيول وكان قد بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقسم هانئ ابن مسعود دروع النعمان وسلاحه‏.‏

فلما دنت الفرس من بني شيبان قال هانئ بن مسعود‏:‏ يا معشر بكر إنه لا طاقة لكم في قتال كسرى فاركنوا إلى الفلاة فسارع الناس إلى ذلك فوثب حنظلة بن ثعلبة العجلي وقال‏:‏ يا هانئ أردت نجاءنا فألقيتنا في الهلكة ورد الناس وقطع وضن الهوادج وهي الحزم للرحال فسمي مقطع الوضن وضرب على نفسه قبة وأقسم أن لا يفر حتى تقر القبة فرجع الناس واستقوا ماء لنصف شهر‏.‏

فأتتهم العجم فقاتلتهم بالحنو فانهزمت العجم خوفًا من العطش إلى الجبابات فتبعتهم بكرٌ وعجلٌ وأبلت يومئذٍ بلاء حسنًا واضطمت عليهم جنود العجم فقال الناس‏:‏ هلكت عجل ثم حملت بكر فوجدت عجلًا تقاتل وامرأة منهم تقول‏:‏ إن يظفروا يحرّزوا فينا الغرل إيهًا فداءٌ لكم بني عجل فقاتلوهم ذلك اليوم ومالت العجم إلى بطحاء ذي قار خوفًا من العطش فأرسلت إياد إلى بكر وكانوا مع الفرس وقالوا لهم‏:‏ إن شئتم هربنا الليلة وإن شئتم أقمنا ونفر حين تلاقون الناس‏.‏

فقالوا‏:‏ بل تقيمون وتنهزمون إذا التقينا‏.‏

وقال زيد بن حسان السكوني وكان حليفًا لبني شيبان‏:‏ أطيعوني واكنوا لهم ففعلوا ثم تقاتلوا وحرض بعضهم بعضًا وقالت ابنة القرين الشيبانية‏:‏ ويهًا بني شيبان صفًّا بعد صفّ إن تهزموا يصبّغوا فينا القلف فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبهم لتخف أيديهم لضرب السيوف فجالدوهم وبارز الهامرز فبرز إليه برد بن حارثة اليشكري فقتله برد ثم حملت مسيرة بكر وميمنتها وخرج الكمين فشدوا على قلب الجيش وفيهم إياس بن قبيصة الطائي وولت إياد منهزمة كما وعدتهم فانهزمت الفرس واتبعتهم بكر تقتل ولا تلتفت إلى سلب وغنيمة‏.‏

وقال الشعراء في وقعة ذي قار فأكثروا‏.‏

 ذكر ملوك الحيرة بعد عمرو بن هند

قد ذكرنا من ملك من آل نصر بن ربيعة إلا هلاك عمرة بن هند‏.‏

فلما هلك عمرو ملك موضعه أخوه قابوس بن المنذر أربع سنين من ذلك أيام أنوشروان ثمانية أشهر وفي أيام هرمز ثلاث سنين وأربعة أشهر ثم ولي بعد قابوس السهرب ثم ملك بعده المنذر بن النعمان أربع سنين ثم ولي بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة من ذلك في زمان هرمز سبع سنين وثمانين أشهر وفي زمانه ابنه أبرويز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر ثم ولي إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخيرخان في زمان كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة ولثمانية أشهر من ولاية إياس بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم ولي ازادبه بن مابيان الهمداني سبع عشرة سنة من ذلك في زمان كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر وفي زمن بوران دخت ابنة كسرى شهرًا‏.‏

ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر وهو الذي يسميه العرب المغرور الذي قتل بالبحرين يوم جواثاء‏.‏

وكانت ولايته إلى أن قدم عليه خالد بن الوليد الحيرة ثمانية أشهر وكان آخر من بقي من آل نصر وانقرض ملكهم مع انقراض ملك فارس فجميع ملوك آل نصر فيما زعم هشام عشرون ملكًا ملكوا خمسمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر

  
نویسنده : lafteh ahwazi ; ساعت ٢:٥٩ ‎ب.ظ روز ٧ آبان ۱۳۸٤
تگ ها :