المنمق من تاريخ قريش حول منافره هاشم واميه

 حلف عدي وبني سهم

وكان من شأن ما جر حلف عدي بن كعب وحلف بني سهم أن عبد شمس بن عبد مناف كانت له بختية ولم تكن بمكة بختية غيرها ففقدها وبغاها فشق عليه مذهبها وضلالها منه فمكث يبتغيها إذ قام قائم على أبي قبيس حين هدأ الناس وقال بأعلى صوته‏:‏ الرجز والله ما كانت لنا هدية يا عبد شمس باغي البختية لكنها بهتية غوية تعرضت حينا لنا عشية شربا لنا بينهم تحية تدور كأس بينهم روية فنحرت صاغرة قميئة لفتية أوجههم وضية فلتبعد البخيتة الشقية فلن تراها آخر المنية فأصبح عبد شمس وقد غاضبه ما سمع فجعل ذودا لمن دله على خبرها فأتاه ابن أخت لبني عدي بن كعب من بني عبد بن معيص بن عامر فقال له‏:‏ إن الذي نحر بختيتك عامر بن عبد الله بن عويج بن عدي بن كعب وآية ذلك أن جلدها مدفون في حفرة في حجرة بيته فخرج عبد شمس في ولده وناس من أهله حتى دخلوا منزل عامر بن عبد لله فوجدوا الأمر كما قال الرجل فأخذ عامراً ثم ذهب به إلى منزله وقال‏:‏ لأقطعن يده ولآخذن ماله‏!‏ فمشت إليه بنو عدي بن كعب فصالحوه على أن يأخذ كل مال لعامر وأن يخرج من مكة ففعلوا فبعث فأخذ كل مال لعامر وخلى سبيله‏!‏ ثم قال‏:‏ اخرجوا من مكة فارتحلوا وتعرض بنو سهم لهم وأنزلوهم بي أظهرهم وقالوا‏:‏ والله لا تخرجون‏!‏ وأم سهم بن عمرو الألوف بنت عدي بن كعب فأقاموا‏:‏ وهم حلف بني سهم حتى جاء الإسلام فقال عامر بن عبد الله‏:‏ الوافر فدى لبني الألوف أبي وأمي وقد غصت من الكرب الحلوق هم منعوا الجلاء وبؤونا منازل لا يخاف بها مضيق وكانوا دوننا لبني قصي فليس إلى ورائهم طريق حديث قصي بن كلاب وجمعه قريشاً وإدخالهم الأبطح هشام عن بشر الكلبي عن أبيه قال‏:‏ كان يقال لقريش قبل قصي بن كلاب بنو النضر وكانوا متفرقين في ظهر مكة ولم يكن بالأبطح أحد منهم فلما أدرك قصي واجتمعت عليه خزاعة وبنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وصوفة وهم الغوث بن مر بعث إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة وأم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل من الأزد واسم سيل خير بن حمالة بن عوف بن عامر وهو الجادر أول من بنى جدار الكعبة ابن عمر وبن جعثمة بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن الأزد وكان جعثمة خرج أيام خرجت الأزد من مأرب ونزل في بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فحالفهم وتزوج فيهم وكانت فاطمة أم قصي عند كلاب بن مرة فولدت له زهرة ثم مكث دهراً حتى شيخ وذهب بصره ثم ولدت قصياً قال هشام‏:‏ وإنما سمي قصياً لأن أمه تقصيت به إلى الشام وقدم ربيعة بن حرام العذري حاجا فتزوجها فحملت قصياً غلاماً معها إلى الشام فولدت لربيعة رزاحاً وحنا فجرى بين قصي وبين غلام من بني عذرة كلام فنفاه العذري وقال‏:‏ والله ما أنت منا‏!‏ فأتى أمه وقال لها‏:‏ من أبي قالت‏:‏ أبوك ربيعة قال‏:‏ لو كنت ابنه منه ما نفيت قالت‏:‏ فأبوك والله يا بني أكرم منه‏!‏ أبوك كلاب بن مرة من أهل الحرم قال‏:‏ فوالله لا أقيم ههنا أبداً‏!‏ قالت فأقم حتى يجيء إبان الحج‏!‏ فلما حضر ذلك بعثته مع قوم من قضاعة وزهرة حي فأتاه وكان زهرة فيما زعموا أشعر وقصي أشعر أيضاً فقال قصي‏:‏ أنا أخوك فقال‏:‏ ادن فلمسه وقال‏:‏ أعرف والله الصوت والشبه ثم إن زهرة مات وأدرك قصي فأراد أن يجمع قومه بني النضر ببطن مكة فاجتمعت عليه خزاعة وبكر وصوفة فكثروه وبعث إلى أخيه رزاح فأقبل في جمع من الشام وأفناء قضاعة حتى أتى مكة فكانت صوفة هم يدفعون بالناس فقام رزاح على الثنية فقال‏:‏ أجز قصي فأجاز بالناس فلم تزل الإفاضة في بني قصي إلى اليوم وأدخل بطون قريش كلها الأبطح إلا محارب بن فهر والحارث بن فهر وتيم الأدرم بن غالب ومعيص بن عامر بن لؤي وهؤلاء يدعون الظواهر فأقاموا بظهر مكة إلا أن رهطاً من بني الحارث بن فهر نزلوا الأبطح وهم رهط أبي عبيدة بن الجراح فهم معهم واسم قصي زيد وهو أيضاً مجمع لجمعه قريشاً وذلك قول حذاقة بن غانم‏:‏ الطويل حديث الأركاح قال الكلبي‏:‏ كان هاشم بن عبد مناف أوصى إلى أخيه المطلب بن عبد مناف فبنو المطلب وبنو هاشم يد إلى اليوم وبنو عبد شمس وبنو نوفل يد إلى اليوم فلما هلك المطلب وثب نوفل بن عبد مناف على ساحات كانت لهاشم وهي الأركاح فوهبها لابنه عبد المطلب فأخذها فاستنصر عبد المطلب قومه فلم يجبه منهم كبير أحد فلما رأى عبد المطلب خذلان قومه بعث إلى أخواله من بني النجار وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد أحد بني عامر بن غنم بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمرو من الخزرج وكان في كتاب عبد المطلب بن هاشم إليهم هذا الشعر‏:‏ البسيط يا طول ليلي وأحزاني وأشغالي هل من رسول إلى النجار أخوالي ينبئ عدياً وذبياناً ومازنها ومالكاً عصمة الجيران عن حالي قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي ظلم عزيزاً منيعاً ناعم البال حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني عن ذاك مطلب عمي بترحال قد كنت ما كان حياً ناعماً جذلاً أمشي العرضنة سحاباً بأذيال أأن رأى رجلا غابت عمومته وغاب أخواله عنه بلا وال أنحى عليه ولم يحفظ له رحماً ما أمنع المرء بين العم والخال فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم لا تخذلوه فما أنتم بخذال ما مثلكم في بني قحطان قاطبة حي لجار وإنعام وإفضال أنتم ليان لمن لانت عريكته سلم لكم وسمام الأبلخ الغالي فأقبلوا عل كل صعب وذلول حتى انتهوا إلى مكة فكلموا نوفلاً حتى رد على عبد المطلب أركاحه فأنشأ عبد المطلب يقول‏:‏ الوافر تأبى مازن وبنو عدي وذبيان بن تيم اللات ضيمي وذادت مالك حتى تناهى ونكب بعد نوفل عن حريمي بهم رد الإله علي ركحي فكانوا في التنصر دون قومي وقال أيضاً عبد المطلب لأخواله بني النجار‏:‏ السريع أبلغ بني النجار إن جئتهم أني منهم وابنهم والخميس رأيتهم قوماً إذا جئتم هووا لقائي وأحبو حسيس رجلاً قد تقلدوا وتنكبوا القسي وعلقوا التراس في مناكبهم فأناخوا بفناء الكعبة فلما رآهم نوفل قال‏:‏ ما أشخص هؤلاء إلا الشر فخافهم فرد على ابن أخيه الأركاح وأحسن إليه فقال شمر بن عويمر الكناني‏:‏ يمدح بني النجار لنصرهم عبد المطلب على عمه‏:‏ الطويل لعمري لأخوال ابن هاشم نصرة من أعمامه الأدنين أحسن أفضل أجابوا على نأي دعاء ابن أختهم وقد رامه بالظلم والغدر نوفل فما برحوا حتى تدارك حقه ورد عليه بعد ما كاد يؤكل جزى الله خيراً عصبة خزرجية تواصوا على بر وذو البر أفضل حلف خزاعة لعبد المطلب وكان سبب حلف خزاعة لعبد المطلب أن نفراً من خزاعة قالوا فيما بينهم‏:‏ والله ما رأينا في هذا الورى أحداً أحسن وجهاً ولا أتم خلقاً ولا أعظم حلماً من عبد المطلب وقد ظلمه عمه حتى استنصر أخواله وقد ولدناه كما ولده بنو النجار فلو أنا بذلنا له نصرتنا وحلفناه فأجمع رأيهم على ذلك فأتوا عبد المطلب فقالوا‏:‏ يا أبا الحارث‏!‏ إن كان بنو النجار ولدوك فقد ولدناك ونحن بعد وأنت متجاورون في الدار فهلم فلنحالفك‏!‏ فأجابهم فأقبل بديل أبو ورقاء بن بديل العدوي وسفيان بن عمرو وأبو بشر القميري وهاجر بن عمير بن عبد العزى القميري وهاجر بن عبد مناف بن ضاطر وعبد العزى بن قطن المصطلقي وخلف بن أسعد الملحي وعمرو بن مالك بن مؤمل الحبتري في جماعة من قومهم فدخلوا دار الندوة فكتبوا بينهم كتاباً وأقبل عبد المطلب في سبعة نفر من بني المطلب والأرقم بن نضلة بن هاشم وكان من رجال قريش والضحاك وعمرو ابنا صيفي بن هاشم ولم يحضره أحد من بني عبد شمس ولا نوفل لليد التي منهم وعلقوا الكتاب في الكعبة فقال هاجر حين بعثوا عبد المطلب‏:‏ والله لئن قلتم ذلك لقد رأيت رؤيا بيثرب ليكونن لولده شأن‏!‏ قالوا‏:‏ وما رأيت قال‏:‏ رأيت كأن بني عبد المطلب يمشون فوق رؤس نخل يثرب ويطرحون التمر إلى الناس فليكون لهم شأن وليكون ذلك من يثرب قال هاجر فقلت‏:‏ والله ما لعبد المطلب إلا غلام يقال له الحارث‏!‏ قال‏:‏ فحالفوه وتزوج عبد المطلب يومئذ لبنى بنت هاجر بن ضاطر فولدت له أبا لهب وتزوج ممنعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمل الحبتري فولدت له الغيداق قال‏:‏ وكتبوا كتاباً كتبه لهم أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة وكان بنو زهرة يكرمون عبد المطلب لصهره فكان الكتاب‏:‏ هذا ما تحالف عليه عبد المطلب ورجالات بني عمرو من خزاعة ومن معهم من أسلم ومالك تحالفوا على التناصر والمؤاساة حلفاً جامعاً غير مفرق الأشياخ على الأشياخ والأصاغر على الأكابر والشاهد على الغائب تعاهدوا وتعاقدوا ما شرقت الشمس على ثبير وما حن بفلاة بعير وما قام الأخشبان وما عمر بمكة إنسان حلف أبد لطول أمد يزيده طلوع الشمس شداً وظلم الليل مداً عقده عبد المطلب بن هاشم ورجال بني عمرو فصاروا يدا دون بني النضر فعلى عبد المطلب النصرة لهم على كل طالب وتر ف يبر أو بحر أو سهل أو وعر وعلى بني عمرو النصرة لعبد المطلب وولده على جميع العرب في الشرق أو الغرب أو الحزن أو الهسب وجعلوا الله على ذلك كفيلاً وكفى بالله حميلا ثم علقوا الكتاب في الكعبة فقال عبد المطلب‏:‏ الطويل سأوصي زبيراً إن توافت منيتي بامساك ما بيني وبين بني عمرو وأن يحفظ الحلف الذي شيخه ولا يلحدن فيه بظلم ولا غدر هم حفظوا الإل القديم وحالفوا أباك فكانوا دون قومك من فهر قال‏:‏ وأوصى عبد المطلب إلى ابنه الزبير وأوصى الزبير إلى أبي طالب وأوصى أبو طالب إلى العباس وفي تصديق ذلك قول عمرو بن سالم للنبي صلى الله عليه حين أغارت عليهم بنو بكر فقتلوا من قتلوا من خزاعة‏:‏ الرجز لا هم إني ناشد محمداً حلف أبينا وأبيه الأتلدا إنا ولدناه فكان ولدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا قال أبو سعيد‏:‏ أنشدنا أبو بكر تمام هذه القصيدة قال‏:‏ حدثنا به عبد الكريم بن الهيثمي بن زياد بإسناده في حديث طويل‏:‏ الرجز إن قريشاً أخلفتك الموعدا ونقصوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو لهدى وجعلوا لي بكداء مرصدا وهم أذل وأقل عددا وهم أتونا بالوتير هجدا فقتلونا ركعا سجدا فانصر رسول الله نصرا أيدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل البدر يسمو صعدا في فيلق كالبحر يأتي مزبدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ نصرت يا عمرو بن سالم‏.‏

ومما يصدق حلف بني هاشم وخزاعة قول شيبان بن جابر السلمي وأقبل إلى المقوم بن عبد المطلب يحالفه فقال‏:‏ الطويل أحالفكم حلفاً شديداً عقوده كحلف بني عمرو أباك بن هاشم على النصر ما دامت بنجد وثيمة وما سجعت قمرية بالكراتم هم منعوا الشيخ المنافي بعدما رأى حمة الإزميل فوق البراجم قال أبو المنذر‏:‏ كان رجل من اليهود من أهل نجران يقال له أذينة في جوار عبد المطلب بن هاشم وكان يتسوق في أسواق تهامة بماله وأن حرب بن أمية غاظه ذلك فألب عليه فتياناً من قريش وقال لهم‏:‏ هذا العلج الذي يقطع الأرض إليكم ويخوض بلادكم بماله من غير جوار ولا أمان‏!‏ والله لو قتلتموه ما خفتم أحدا يطلب بدمه قال‏:‏ فشد هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي عليه وصخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقتلاه وكان معهما ابن مطرود بن كعب الخزاعي قال‏:‏ فجعل عبد المطلب لا يعرف له قاتلا حتى كان بعد فعلم من أين أتى فأتى حرب بن أمية فأنبه لصنيعة وطلب بدم جاره فأبى حرب ذلك عليه وانتهى بهما التماحك واللجاج إلى المنافرة فجعلوا بينهما النجاشي ملك الحبشة فأبى أن ينفذ بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب فأتياه فقال حرب بن أمية‏:‏ يا أبا عمرو‏!‏ أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة وأوسم منك وسامة وأعظم منك هامة وأقل منك لامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفدا وأطول منك مذوداً وأني لأقول هذا وإن فيك لخطالاً‏:‏ إنك لبعيد الغضب رفيع الصيت في العربن جلد المريرة تحبك العشيرة ولكنك نافرت منفراً‏.‏

قال‏:‏ فنفر عبد المطلب على حرب فغضب حرب من ذلك وأغلظ لنفيل وقال‏:‏ من انتكاس الدهر أن جعلناك حكما فأنشأ نفيل يقول‏:‏ البسيط أعطاهم اله نوراً يستضاء به إذا الكواكب أخطا نوءها النجع وهم عروق الثرى منهم أرومتنا ما جادى اليوم في تربائهم ضرع ما إن ينال البلى أركان منزلهم ولا يحل بأعلى نيقهم صدع أولاد شيبة أهل المجد قد علمت عليا معد إذا ما هزهز الورع وهبت الريح بالصراد فانطلقت تزجى جهاماً سريعاً سيره ملع وشيبة الحمد نور يستضاء به إذا تخطا إلى المشبوبة الفزع وراحت الشول جدباً في مراتعها حول الفنيق رسيلاً ما له تبع يا حرب ما بلغت مسعاتكم هبعاً تسقي الحجيج وماذا يحمل الهبع أبو كما واحد والفرع بينكما منه الخشاش ومنه الناضر الينع فاعرف لقوم هم الأرباب فوقكم لا يدركنك شر ماله دفع هم الربى من قريش في أرومتها والمطعمون إذا ما مسها القشع وقال في ذلك الأرقم بن نضلة بن هاشم يذكر منافرة هاشم وأمية‏:‏ الطويل قال‏:‏ فأراد حرب بن أمية إخراج بني عدي بن كعب من مكة فاجتعمت لذلك بنو عبد شمس بن عبد مناف وبنو نوفل بن عبد مناف وغضب لعبد المطلب بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وغضبت بنو سهم لبني عدي لأنهم من الأحلاف فمنعوهم فلما رأى ذلك حرب بن أمية كف عنهم‏.‏

 منافرة عبد المطلب وثقيف

قال الكلبي‏:‏ كان لعبد المطلب بن هاشم مال بالطائف يقال له ذو الهرم فادعته ثقيف وجاؤا فاحتفروا فخاصمهم فيه عبد المطلب إلى الكاهن بالشام يقال عزى سلمة العذرى خرج مع عبد المطلب نفر من قومه وكان معه ولده الحارث ولا ولد له يومئذ غيره وخرج الثقفي الذي يخاصم عبد المطلب واسمه جندب بن الحارث في نفر من ثقيف فساروا جميعاً فلما كانوا في بعض الطريق نفد ماء عبد المطلب وأصحابه فطلب عبد المطلب إلى الثقفيين أن يسقوه من مائهم فأبوا فلما بلغ من القوم العطش كل مبلغ وظنوا أن الهلاك نزل عبد المطلب وأصحابه وأناخوا إبلهم وهم يرون انه الموت ففجر الله لهم عيناً من تحت جران بعير عبد المطلب فحمد الله عبد المطلب على ذلك وعلم أنه من الله تعالى فشربوا من الماء ريهم وتزودوا منه حاجتهم قال‏:‏ ونفد ماء الثقفيين فطلبوا إلى عبد المطلب أن يسقيهم فقال له الحارث ابنه‏:‏ والله لئن فعلت لأضعن سيفي في إهابي ثم لأنتحين عليه حتى يخرج من ظهري فقال له‏:‏ يا بني‏!‏ اسقهم ولا تفعل ذلك بنفسك قال‏:‏ فسقاهم عبد المطلب ثم انطلقوا إلى الكاهن وقد خبأوا له خبيئاً وهو رأس جرادة فجعلوه في خربة مزادة وعلقوه في قلادة كلب لهم يقال له سوار قال‏:‏ فلما أتوا الكاهن إذا هم ببقرتين تسوقان بحزجا بينهما كلتاهما توأمة تزعم أنه ولدها وذلك أنهما ولدتا في ليلة واحدة فأكل النمر إحدى البحزجين فهما يرأمان الباقي فلما وقفتا بين يدي الكاهن قال‏:‏ هل تدرون ما تقول هاتان البقرتان قالوا‏:‏ لا قال‏:‏ يختصمان في هذا البحزج ويطلبان بحزجاً آخر ذهب به ذو جسد أربد وشدق رمع وناب معق وحلق صعق فما للصغرى في ولد الكبرى من حق فقضى به لكبرى من البقرتين فلما ذهبتا من عنده أقبل على عبد المطلب وأصحابه فقال‏:‏ حاجتكم قالوا‏:‏ إنا قد خبأنا خبيئاً فأنبئنا عنه قال‏:‏ نعم خبأتم لي شيئاً طار فسطع فتصوب فوقع فالأرض منه بلقع قالوا‏:‏ لاده أي بين قال‏:‏ هو شيء طار فاستطار ذو ذنب جرار ورأس كالمسمار وساق كالمنشار قالوا‏:‏ لاده قال‏:‏ إن لاده فلاده هو راس جرادة في خربة مزادة في عنق سوار ذي القلادة قالوا له‏:‏ قد أصبت فانتسبا له وقالا له‏:‏ أخبرنا في ما اختصمنا قال‏:‏ أحلف بالضياء والظلم والبيت ذي الحرن أن المال ذا الهرم للقرشي ذم الكرم قال فغضب الثقفيون فقال جندب بن الحارث‏:‏ اقض لأرفعنا مكاناً وأعظمنا جفاناً وأشدنا طعناً فقال عبد المطلب‏:‏ اقض لصاحب الخيرات الكبر ومن كان أبوه سيد مضر وساقي الحجيج إذا كثر فقال الكاهن‏:‏ الرجز أما ورب القلص الرواسم يحملن أزوالاً بقي طاسم إن سناء المجد والمكارم في شيبة الحمد الندي ابن هاشم فقال عبد المطلب‏:‏ اقض بين قومي وقومه أيهم أفضل فقال‏:‏ الرجز إن مقالي فاسمعوا شهادة أن بني النضر كرام سادة من مضر الحمراء في القلادة أهل سناء وملوك قادة زيادة البيت لهم عبادة ثم قال‏:‏ إن ثقيفاً عبد آبق فأخذ فعتق ثم ولد فأبق فليس له في النسب من حق أبق أي كثر ولده والبقي من هذا أخذ ففضل عبد المطلب عليه وقومه على قومه‏.‏

 منافرة هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس

قال‏:‏ كان هاشم بن عبد مناف قد أتى الشام فأقام به حيناً ثم أقبل منه يريد مكة ومعه الغرائر مملوءة خبزاً قد هشمته ومعه الإبل تحمل الغرائر حتى قدم مكة وذلك في سنة شديدة قد جاع فيها الناس وهلكت فيها أموالهم وأنفسهم فعمد هاشم إلى الإبل التي كانت تحمل الغرائر فنحرها وأقام الطهاة فطبخوا ثم أخرج الخبز الخشيم فملأ منه الجفان ثم أمر بالقدور فكفئت عليها فأطعم الناس أهل مكة وغيرهم فكان ذلك أول خصبهم فقال في ذلك رجل من قريش وهو حذافة بن غانم العدوي‏:‏ الكامل عمرو العلى هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف وقال في ذلك وهب بن عبد بن قصي بن كلاب‏:‏ الوافر تحمل هاشم ما ضاق عنه وأعيا ا يقوم به ابن بيض أتاهم بالغرائر متأقات من أرض الشام بالبر النفيض فأوسع أهل مكة من خشيم وشاب الخبز باللحم الغريض فظل القوم بين مكللات من الشيزى وحائرها يفيض ويروى‏:‏ من الشيزى جابرها‏.‏

وكان أمية بن عبد شمس مكثراً فتكلف أن يصنع هاشم فعجز عنه وقصر فشمت به ناس من قريش وسخروا منه وعابوه بما صنع ثم قصر فهاج ذلك بينه وبين هاشم شراً ومفاخرة ومخاصمة حتى دعاه إلى المنافرة وألب أمية إخوته ووبخوه وحربوه وكره ذلك هاشم لسنه حتى أكثرت قريش في ذلك وذموه فقال له هاشم‏:‏ أما إذا أبيت إلا المنافرة فأنا أنافرك على خمسين ناقة سوداء الحدقة ننحرها بمكة والجلاء عن مكة عشر سنين قال‏:‏ فرضيا بذلك وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وخرج أبو همهمة بن عبد العزى عامرة بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر وكانت أمة بنت أبي همهمة عند أمية بن عبد شمس فخرج معهما كالشاهد فقالوا‏:‏ لو خبأنا له خبيئاً نبلوه به قبل التحاكم إليه قال‏:‏ فوجدوا أطباق جمجمة بالية فأمسكها معه أبو همهمة ثم أتوا الكاهن وكان منزله بعسفان فأناخوا افبل ببابه وقالوا‏:‏ إنا قد خبأنا لك خبيئاً فأنبئنا به قبل التحاكم إليك فقال‏:‏ أحلف بالنور والظلمة وما يتهمامة من بهمة وما بنجد من أكمة لقد خبأتم لي أطباق جمجمة مع الفلندح أبي همهمة قالوا‏:‏ أصبت فاحكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس أيهما أشرف فقال‏:‏ والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر وما بالجو من طائر وما اهنتدى بعلم مسافر منجد أو غائر لقد سبق هاشم أمية إلى المفاخر أول منها وآخر‏.‏

قال‏:‏ فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضر وخرج أمية إلى الشام فأقام به عشر سنين ومن ثم يقال إن أمية استحلق أبا عمرو ابنه وهو ذكوان وهو رجل من أهل صفورية فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه بعده فأولدها أبان وهو أبو معيط ويقال استلحق ذكوان أيضاً أبان‏.‏

والحارث ابن أسد بن عبد العزى قال‏:‏ تنازع عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم والحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي في الشرف والمجد أيهما أشرف وأمجد فجعلا بينهما كاهناً كان يقوم بعسفان وجعلا للمنفر خمسين من الإبل وجعلا الإبل على يد المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ثم شخصوا إليه فلما كانوا قريباً منه وجد رجل من بني أسد بن عبد العزى يقال له زر بن حبيش بيضة نعام فقال‏:‏ هل لكم أن نخبأ له هذه البيضة فإن أصابها علمنا أنه مصيب فيكما قالا‏:‏ نعم فأمسكها معه ثم أتوه فأناخوا ببابه وعقلوا الإبل بفنائه ثم نادوه فخرج إليهم فقالوا‏:‏ أخبرنا في أي شيء جئناك فقال‏:‏ حلفت برب السماء ومرسل العماء فينبعن بالماء‏!‏ إن جئتموني إلا لطلب السناء فقالوا‏:‏ صدقت قد خبأنا لك خبيئاً فأنبئنا ما هو قال‏:‏ خبأتم لي شيئاً مدملقاً كالفهر لونه لون الدر يزل من فوقه الذر قالوا‏:‏ لاده قال‏:‏ حلفت برب مكة واليمامة ومن سلك بطن تهامة لحج أو إقامة لقد خبأتم لي بيضة نعامة مع زر ذي العمامة قالوا‏:‏ صدقت فانتسبا له وقالوا‏:‏ احكم بيننا أينا أولى بالمجد والشرف قال‏:‏ حلفت بأظب عفر بلماعة قفر يردن بين سلم وسدر‏!‏ أن سناء المجد ثم الفخر لفي عائذ إلى آخر الدهر‏.‏

إني امرؤ من ذرى فهر إذا نسبوا إذ أنت من ثمد يا حار منسوب تنازع المجد قوماً لست مدركهم ما خود الرأل أو ما حنت النبيب فارجع ذميماً فقد لاقيت داهية وقد شأوتك والمغلوب مغلوب منافرة مالك بن عميلة وعميرة بن هتجر الخزاعي قال هشام‏:‏ كان لمالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار بن قصي فرس قد سبق عليه وكان لعميرة بن هاجر بن عمير بن عبد العزى بن نمير الخزاعي فرس قد سبق عليه فوقفا بمكة فتذاكر الخيل فقال عميرة‏:‏ فرسي أجود من فرسك فتراهنا على فرسيهما وجعلا الرهن على يدي عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار أيهما سبق فله مائة من الإبل فأرسلا فرسيهما من أجياد فأقبل فرس عميرة سابقاً فعرض له قاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار فحسبه فطلب عميرة السبق فأبى عليه حتى كاد يقع الشر بينهما فتداعيا إلى المنافرة إلى الكاهن فأيهما فضل لكاهن فله مائة من الإبل والفرس فتواسقا وخرجا مع كل واحد منهما نفر م قومه وقاد كل واحد منهما عشرين بعيراً للكاهن فنهى أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي مالك بن عميلة أن ينافره فأبى وخرجا نحوه ومعهما علقمة بن الفعواء الخزاعي ثم من بني نصر فقالوا‏:‏ لو خبأنا له خبيئاً نبلوه به‏!‏ فوجودوا في طريقهم جثة نسر فأخذوها ثم أتوا الكاهن وهو عزى سلمة العذري سلمة اسمه وعزى اسم شيطانه فأناخوا الإبل ببابه وخرج إليهم فقالوا‏:‏ قد خبأنا لك خبيئاً فأنبئنا ما هو وقد جعلوه في عكم لهم من شعر ودفعوه إلى علقمة قال‏:‏ خبأتم لي ذا جناح أعنق طويل الرجل أبرق إذا تغلغل حلق وإذا انقض فتق ذا مخلب مذلق يعيش حتى يخلق قال‏:‏ بين فقال‏:‏ أحلف بالنور والقمر والسنا والدهر والرياح والفطر‏!‏ لقد خبأتم لي جثة نسر في عكم من شعر مع الفتى من بني نصر قالوا‏:‏ صدقت فاقض بين مالك بن عميلة وابن هاجر فقال‏:‏ الرجز أحلف بالمروة والمشاعر ومنحر البدن لدى الحزاور وكل من حج على عذافر من بين المطفور وبين ناشر يؤم بيت الله ذي الستائر أن سنا المجد والمفاخر لفي الفتى عميرة بن هاجر فارجع فارجع أخا الدار بجد عاثر فسار عميرة إلى الإبل فنحرها وأخذ الإبل والفرس وأنشأ مالك يقول‏:‏ الطويل شآني لما أن جريت ابن هاجر فأشمت أعدائي وأخرجت من مالي فيا ليتني من قبل حلي ورحلتي إلى الكاهن الطاغوت قطعت أوصالي ضللت كما ضلت بليل فلا ترى قلامة ظفر في معرس نزال وقال أرطاة في ذلك لمالك‏:‏ الطويل ندمت نئيشاً أن تكون أطعتني على حين لا يجدي عليك التندم نئيشاً‏:‏ بعد الفوت ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وأنى لهم التناوش ‏"‏ فجاريت قرما من قروم كريمة فقصرت إذ أعيا عليك التدم منافرة بني مخزوم وبني أمية قال‏:‏ اجتمع عند الحجر قوم من بني مخزوم وقوم من بني أمية فتذاكروا العز والمنعة فقال رجل من بني كنانة كان حليفاً لبني مخزوم‏:‏ بنو مخزوم أعز وأمنع وقال رجل من بني زبيد وكان حليفاً لبني أمية‏:‏ بنو أمية أعز وأمنع فجرى بينهما الكلام حتى غضب الوليد بن المغيرة المخزومي وأسيد بن أبي العيص وتفاخرا فجرى بينهما اللجاج فقال الوليد‏:‏ أنا خير منك أماً وأباً وأثبت منك في قريش نسباً فقال أسيد‏:‏ أنا خير منك منصباً وأثبت منك في قريش نسباً وأنت رجل من كناتنة من بني شجع دخيل في قريش نزيع في بني مخزوم وأنا غرة بني عبد مناف وذؤابة قصي فتعال أفاخرك ثم قال أسيد‏:‏ الطويل فلو كنت منا لم تعث في فسادنا وجاملتنا والحازم المتجمل وإلا تدع ما بيننا من عداوة تكن لكم لوم أغر محجل قال‏:‏ فتداعيا إلى المنافرة وكذلك كانت العرب تفعل وقالا‏:‏ يحكم بيننا سطيح فليس من أحد من واحد من الفريقين فنرضى بما حكم بيننا فتراضيا به وجعلا بينهما خمسين من الإبل للمنفر على صاحبه قال‏:‏ فخرجا نحوه وخرج معهما نفر من قومهما حتى أتوا سطيحاً وهو يومئذ بصعدة باليمن فوجدوا في طريقهم مخلب ليث فجعلوه في مزود مع غلام أسود كان لأسيد بن أبي العيص وقالوا‏:‏ نخبأه له ونسأله عنه فإن أصاب نتحاكم إليه فأتوه فأناخوا ببابه وعقلوا الإبل عن الرجلين بفنائه قال‏:‏ فوثب رجل من بين مخزوم وقال يا سطيح‏:‏ الرجز إليك حيناً يا سطيح نعمد يقودنا جمعاً إليك الفدفد لسنا إلى غيرك حقاً نقصد ما إن لنا عنك هديت عندد فعجل الحكم ولا تردد قال‏:‏ فخرج إليهم سطيح فقالوا‏:‏ إنا قد خبأنا لك خبيئاً فأنبئنا عنه حتى نتحاكم إليك بعد فقالك خبأتم لي عوداً وما هو بعود بل حجراً وليس بالجلمود فقالوا‏:‏ بين فقال‏:‏ هو أحنف محدد في مكتل أو مزود مخلب ليث أربد مع الغلام الأسود‏.‏

قالوا‏:‏ صدقت فاحكم بين الوليد بن المغيرة وبين أسيد بن أبي العيص فقال‏:‏ بالنجود أحلف وبالتهائم ثم بيت الله ذي الدعائم وكل من حج عل شداقم إني بما جئتم به لعالم إن ابن مخزوم أخو المكارم فارجع يا أسيد بانف راغم‏.‏

ثم أقبل عليهما فقال‏:‏ أما أنت يا وليد‏!‏ فمثلك مثل جبل موزر فيه الماء والشجر وفيه للناس معتصر ومنعة الحي والوزر للخير سباق وللشر حذر وأما أنت يا أسيد‏!‏ فمثلك مثل جبل وعر فيه للمقتبسين جمر ولا ورد لا صدر الخير عندك نزر والشر عندك أمر فلج الوليد وظفر وخاب أسيد وخسر‏.‏

فأخذ سطيح ما كان جعل له من الإبل وقام الوليد إلى الإبل فنحرها وأطعمها الناس فأكلوا وحملوا‏

  
نویسنده : lafteh ahwazi ; ساعت ۳:۱٥ ‎ب.ظ روز ٢٤ مهر ۱۳۸٤
تگ ها :