تاريخ ابی الفداء...

  خلافة عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى رضي الله عنه

بويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه ابو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه واول خطبة خطبها قال‏:‏ يا ايها الناس والله ما فيكم احداً اقوى عندي من الضعيف بم حتى اخذ الحق له ولا اضعف عندي من القوي حتى اخذ الحق منه‏.‏

ثم اول شيء امر به ان عزل خالد بن الوليد عن الإِمرة وولى ابا عبيدة على الجيش والشام وارسل بذلك اِليهما وهو اول من سميَّ بامير المؤمنين‏.‏

وكان ابو بكر يخاطب بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم سار ابو عبيدة ونازل دمشق وكانت منزلته من جهة باب الجابية ونزل خالد من جهة باب توما وباب شرقي ونزل عمرو بن العاص بناحية اخرى وحاصروهما قريباً من سبعين ليلة وفتح خالد ما يليه بالسيف فخرج اهل دمشق وبذلوا الصلح لابي عبيدة من الجانب الآخرة وفتحوا له الباب فامنهم ودخل والتقى مع خالد في وسط البلد وبعث ابو عبيدة بالفتح اِلى عمر وفي ايامه فتح العراق‏.‏

ثم دخلت سنة اربع عشرة فيها في المحرم امر عمر ببناء البصرة فاختطت وقيل في سنة خمس عشرة وفيها توفي ابو قحافة ابو ابي بكر الصديق وعمره سبع وتسعون سنة وكانت وفاته بعد وفاة ابنه ابي بكر‏.‏

ثم دخلت سنة خمس عشرة فيها فتحت حمص بعد دمشق بعد حصار طويل حتى طلب الروم الصلح فصالحهم ابو عبيدة على ما صالح اهل دمشق ثم سار اِلى حماة قال القاضي جمال الدين ابن واصل رحمه الله تعالى في التاريخ الذي نقلنا هذا منه‏:‏ اِن حماة كانت في زمن داود وسليمان عليهما السلام مدينة عظيمة قال‏:‏ وقد وجدت ذكرها في اخبار داود وسليمان في كتاب اسفار الملوك الذي بايدي اليهود وكذلك كانت في زمن اليونان اِلا انها في زمن الفتوح وقبله كانت صغيرة هي وشيرز وكانا من عمل حمص وكانت حِمص كرسي مملكة هذه البلاد وقد ذكرهما امرؤ القيس في قصيدته التي اولها‏:‏ سما لك شوق بعدما كان اقصرا ويقول من جملتها‏:‏ تقطع اسباب اللبانة والهوى عشية جاوزنا حماة وشيزرا قال بعض الشراح‏:‏ حماة شيزر قريتان من قرى حمص ولما وصل ابو عُبيدة اِلى حماة خرجت الروم التي بها اِليه يطلبون الصلحَ فصالحهم على الجزية لرؤوسهم والخراج على ارضهم وجعل كنيستهم العظمى جامعاً وهو جامع السوق الأعلى من حماة ثم جدد في خلافة المهدي من بني العباس وكان على لوح منه مكتوب انه جدد من خراج حمص ثم سار ابو عبيدة اِلى شيزر فصالحه اهلها على صلح اهل حماة وكذلك صالح اهل المعرة وكان يقال لها معرة حمص ثم قيل لها معرة النعمان بن بشير الأنصاري لانها كانت مضافة اِليه مع حمص في خلافة معاوية ثم سار ابو عبيدة اِلى اللاذقية ففتحهما عنوة وفتح جبلة وطرطوس ثم سار ابو عبيدة اِلى قنسرين وكانت كرسي المملكة المنسوبة‏.‏

اليوم اِلى حلب وكانت حلب من جملة اعمال قنسرين ولما نازلها ابو عبيدة وخالد بن الوليد كان بها جمع عظيم من الروم فجرى بينهم قتال شديد انتصر فيه المسلمون ثم بعد ذلك طلب اهلها الصلح على صلح اهل حمص فاجابهم على ان يخربوا المدينة فخربت‏.‏

ثم فتح بعد ذلك حلب وانطاكية ومنبج ودلوك وسرمين وتنزين وعزاز واستولى على الشام من هذه الناحية ثم سار خالد اِلى مرعش ففتحها واجلى اهلها واخربها وفتح حصن الحدث وفي هذه السنة لما فتحت هذه البلاد وهي سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة ايس هرقل من الشام وسار اِلى قسطنطينية من اثرها ولما سار هرقل على نشر من الأرض ثم التفت اِلى الشام وقال‏:‏ السلام عليك يا سوريا سلام لا اجتماع بعده ولا يعود اِليك رومي بعدها اِلا خائفاً حتى يولد لولد المشؤوم وليته لم يولد فاجل فعله فتنته على الروم ثم‏.‏

فتحت قيسارية وصبصطية وبها قبر يحيى بن زكريا ونابلس واللد ويافا وتلك البلاد جميعها‏.‏

واما بيت المقدس فطال حصاره وطلب اهله من ابي عبيدة ان يصالحهم على صلح اهل الشام بشرط انْ يكون عمر بن الخطاب متولي امر الصلح فكتب ابو عبيدة الى عمر بذلك فقدم عمر رضي الله عنه الى القدس وفتحها واستخلف على المدينة علي بن ابي طالب رضي الله عنه‏.‏

وفي هذه السنة اعني سنة خمس عشرة وضع عمر بن الخطاب الدواوين وفرض العطاء للمسلمين ولم يكن قبل ذلك وقيل‏:‏ كان ذلك سنة عشرين فقيل له‏:‏ ابدا بنفسك‏.‏

فامتنع وبدا بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرض له خمسة وعشرين الفاً ثم بدا بالأقرب فالأقرب من رسول من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرض لاهل بدر خمسة الاف خمسة الاف وفرض لمن بعدهم اِلى الحديبية وبيعة الرضوان اربعة الاف اربعة الاف ثم لمن بعدهم ثلاثة الاف ثلاثة الاف وفرض لاهل القادسية واهل الشام الفين الفين وفرض لمن بعد القادسية واليرموك الفاً الفاً ولروادفهم خمس مائهَ خمس مائة ثم ثلاثمائة ثلاثمائة ثم مائتين وخمسين مائتين وخمسين‏.‏

وكان في هذه السنة اعني سنة خمس عشرة وقعة القادسية وكان المتولي لحرب الأعاجم فيها سعد بن ابي وقاص وكان مقدم العجم رستم وجرى بين المسلمين وبين الأعاجم اِذ ذاك قتال عظيم دام اياماً فكان اليوم الأول يوم اغواث ثم يوم غماس ثم ليلة الهرير لتركهم الكلام فيها وانما كانوا يهرون هريراً حتى اصبح الصباح ودام القتال الى الظهيرة وهبت ريح عاصفة فاكل الغبار على المشركين فانكسروا وانتهى القعقاع واصحابه اِلى سرير رستم وقد قام رستم عنه واستظل تحت بغال عليها مال وصلت من كسرى للنفقة فلما شدوا على رستم هرب ولحقه هلال بن علقمة فاخذ برجله وقتله ثم جاء به حتى رُمي به بين ارجل البغال وصعد السرير ونادى‏:‏ قتلت رستم ورب الكعبة وتمت الهزيمة على العجم وقتل منهم ما لا يحصى ثم ارتحل سعد ونزل غربي دجلة على نهر شير قبالة مدائن كسرى وديوانه المشهور ولما شاهد المسلمون ايوان كسرى كبروا وقالوا‏:‏ هذا ابيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله‏.‏

ثم دخلت سنة ست عشرة واقام سعد على نهر شير اِلى ايام من صفر ثم عبروا دجلة وهربت الفرس من المدائن نحو حلوان وكان يزد جرد قد قدم عياله اِلى حلوان وخرج هو ومن معه بما قدروا عليه من المتاع ودخل المسلمون المدائن وقتلوا كل من وجدوه واحتاطوا بالقصر الأبيض ونزل به سعد واتخذوا اِيران كسرى مصلى واحتاطوا على اموال من ذهب والآنية والثياب تخرج عن الإحصاء وادرك بعض المسلمين بغلاً وقع في الماء فوجد عليه حلية كسرى من التاج والمنطقة والدرع وغير ذلك كله مكلل بالجوهر ووجدوا اشياء يطول شرحها‏.‏

وكان لكسرى بساط طوله ستون ذراعاً في ستين ذراعاً وكان على هيئة روضة قد صورت فيه الزهور بالجوهر على قضبان الذهب فاستوهب سعد ما يخص اصحابه منه وبعث به اِلى عمر فقطعه عمر وقسمه بين المسلمين فاصاب علي بن ابي طالب منه قطعة فباعها بعشرين الف درهم‏.‏

واقام سعد بالمدائن وارسل جيشاً الى جلولاء وكان قد اجتمع بها الفرس فانتصر المسلمون وقتلوا من الفرس ما لا يحصى وهذه الوقعة هي المعروفة بوقعة جلولاء وكان يزد جرد بحلوان فسار عنها وقصدها المسلمون واستولوا عليها ثم فتح المسلمون تكريت والموصل‏.‏

ثم فتحوا ما سبذان عنوة وكذلك قرقيسيا‏.‏

وفي هذه السنة اعني سنة ست عشرة للهجرة قدم جبلة بن الأيهم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتلقاه جماعة من المسلمين ودخل في زي حسن وبين يديه جنائب مقادة ولبس اصحابه الديباج ثم خرج عمر اِلى الحج في هذه السنة فحج جبلة معه فبينما جبلة طائفاً اِذ وطئ رجل من فزازة على اِزاره فلطمه جبلة فهشم انفه فاقبل الفزاري اِلى عمر وشكاه فاحضره عمر وقال‏:‏ افتد نفسك والا امرته ان يلطمك فقال جبلة‏:‏ كيف ذلك وانا ملك وهو سوقة فقال عمر‏:‏ اِن الإسلام جمعكما وسوى بين الملك والسوقة في الحد‏.‏

فقال جبلة‏:‏ كنت اظن اني بالإسلام اعز مني في الجاهلية‏.‏

فقال عمر‏:‏ دع عنك هذا‏.‏

فقال جبلة اتنصر‏.‏

فقال عمر‏:‏ اِن تنصرت ضربت عنقك‏.‏

فقال انظرني ليلتي هذه فانظره فلما جاء الليل سار جبلة بخيله ورجاله اِلى الشام ثم صار اِلى القسطنطينية وتبعه خمس مائة رجل من قومه فتنصروا عن اخرهم وفرح هرقل بهم واكرمه ثم ندم جبلة على فعله ذلك وقال‏:‏

تنصرت الأشراف مِنْ عار لطمة ** وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

تكنفنيَ فيها لجاج ونخوة ** وبعت لها العينَ الصحيحة بالعورْ

فيا ليتَ امي لم تلدني وليتني ** رجعت اِلى القولِ الذي قاله عمرْ

وكان قد مضى رسول عمر الى هرقل وشاهد ما هو فيه جبلة من النعمة فارسل جبلة خمس مائة دينار لحسان ابن ثابت واوصلها عمر اليه ومدحه حسان ابن ثابت بابيات منها‏:‏

اِن ابن جفنة من بقية معشرِ ** لم يعرُّهم اباؤهم باللوم

لم ينسني بالشام اذ هَو ربها ** كلا ولا متنصراً بالروم

يعطي الجزيل ولا يراه عنده ** اِلا كبعض عطية المذموم

ثم دخلت سنة سبع عشرة فيها اختطت الكوفة وتحوّل سعد اليها وفي هذه السنة اعتمر عمر واقام بمكة عشرين ليلة ووسع في المسجد الحرام وهدم منازل قوم ابوا ان يبيعوها وجعل اثمانها في بيت المال وتوج ام كلثوم بنت علي ابن ابي طالب وامها فاطمة رضي الله عنهما‏.‏

وفي هذه السنة كانت واقعة المغيرة بن شعبة وهي ان المغيرة كان عمر قد ولاه البصرة وكان في قبالة العليّة التي فيها المغيرة بن شعبة علية فيها اربعة وهم‏:‏ ابو بكرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم واخوه لامه زياد بن ابيه ونافع بن كلدة وشبل بن معبد فرفعت الريح الكوة عن العلية فنظروا اِلى المغيرة وهو على ام جميل بنت الأرقم بن عامر بن صعصعة وكانت تغشى المغيرة فكتبوا الى عمر بذلك فعزل المغيرة واستقدمه مع الشهود وولى البصرة ابا موسى الأشعري فلما قدم اِلى عمر شهد ابو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزنا واما زياد بن ابيه فلم يفصح شهادة الزنا وكان عمر قد قال قبل ان يشهد‏:‏ ارى رجلاً ارجو ان لا يفضح الله به رجلا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زياد‏:‏ رايته جالساً بين رجلي امراة ورايت رِجلين مرفوعتين كاذني حمار ونفساً يعلو واستاً تنبو عن ذكر ولا اعرف ما وراء ذلك‏.‏

فقال عمر هل رايت الميل في المكحلة قال‏:‏ لا‏.‏

فقال‏:‏ هل تعرف المراة قال‏:‏ لا ولكن اشبهها‏.‏

فامر عمر بالثلاثة الذين شهدوا بالزنا ان يحدوا حد القذف فجلدوا وكان زياد اخا ابي بكرة وفيها فتح المسلمون الأهواز وكان قد استولى عليها الهرمزان وكان من عظماء الفرس ثم فتحوا رام هرمز وتستر وتحصن الهرمزان في القلعة وحاصروه فطلب الصلح على حكم عمر فانزل على ذلك وارسلوا به اِلى عمر ومعه وفد منهم انس بن مالك والأحنف بن قيس فلما وصلوا به اِلى المدينة البسوه كسوته من الديباج المذهب ووضعوا على راسه تاجه وهو مكلل بالياقوت ليراه عمر والمسلمون فطلبوا عمر فلم يجدوه فسالوا عنه فقيل جالس في المسجد فاتوه وهو نائم فجلسوا دونه فقال الهرمزان‏:‏ اين هو عمر‏:‏ قالوا‏:‏ هوذا‏.‏

قال‏:‏ فاين حرسه وحجابه قالوا ليس له حارس ولا حاجب واستيقظ عمر على جلبة الناس فنظر اِلى الهرمزان وقال‏:‏ الحمد لله الذي اذل بالإسلام هذا واشباهه وامر بنزع ما عليه فنزعوه والبسوه ثوباً ضيقاً فقال له عمر‏:‏ كيف رايت عاقبة الغدر وعاقبة امر الله فقال الهرمزان‏:‏ نحن واياكم في الجاهلية لما خلى الله بيننا وبينكم غلبناكم ولما كان الله الآن معكم غلبتمونا‏.‏

ودار بينهما الكلام وطلب الهرمزان ماء فاتي به فقال‏:‏ اخاف ان تقتلني وانا اشرب فقال عمر‏:‏ لا باس عليك حتى تشرب فرمى بالإناء فانكسر فقصد عمر قتله فقالت الصحابة‏:‏ اِنك امنته بقولك لا باس عليك اِلى ان تشرب ولم يشرب ذلك الماء واخر الأمر انّ الهرمزان اسلم وفرض له عمر الفين‏   www.laftehsawari@yahoo.com 

  
نویسنده : lafteh ahwazi ; ساعت ۱٠:٥٢ ‎ق.ظ روز ۱۸ آبان ۱۳۸٤
تگ ها :